عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
283
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
الطريق ، وأصبح ميتاً ولم يعرف سبب موقه . وقيل أنه وجد في ساقية من سواقي برقة مخنوقاً بتكة سرواله ، وكان ذلك في بكرة يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من رجب سنة اثنتين وستين وثلاث مائة ، وعمره ست وثلاثون سنة ، وقيل اثنتان وأربعون سنة رحمه الله هكذا قيده صاحب كتاب أخبار القيروان ، وأشار إلى أنه كان في صحبة المعز ، وهو مخالف لما ذكرته أولاً من تشيعه للمعز ورجوعه لأخذ عياله . ولما بلغ المعز وفاته بمصر أسف عليه كثيراً وقال : هذا الرجل كنانة جود إن تفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ذلك . وله في معز عزيز المدائح ونحت الشعر ، فمن ذلك قصيدته النونية التي أولها : هل من أعتقه عالج بيرين * أم منهما بقر الحدوج العين ولمن ليالي باذ منا عهدها * مذكر إلا أنهن شجون والمشرقات كأنهن كواكب * والناعمات كأنهن غصون أومى لها المجان صفحة خده * وبكى عليها اللؤلؤ المكنون قلت قوله : الحدوج المراد بالحدوج هنا جمع : حدج وهو مركب من مراكب النساء مثل المحفة . قال ابن خلكان : وديوانه كبير ، ولولا ما فيه من الغلو في المدح والإفراط المفضي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين . وليس للمغاربة من هو في طبقته لا من متقدميهم ولا متأخريهم ، بل هو أشعرهم على الإطلاق ، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة ، وكانا متعاصرين ، وإن كان في المتنبي مع أبي تمام من الاختلاف ما فيه . قال : ويقال أن أبا العلاء المعري ، كان إذا سمع شعره يقول : ما أشبهه إلا برحى يطحن قروناً ، لأجل القعقعة في ألفاظه ، ويزعم أنه لا طائل تحت تلك الألفاظ . قال : ولعمري ما أنصفه في هذا المقال وما حمله على هذا إلا فرط تعصبه للمتنبي ، قال : وبالجملة فما كان إلا من المحسنين في النظم ، والله أعلم ، انتهى . وقال في أول ترجمته " أبو نواس الأندلسي " فكناه بكنية أبي نواس الحسن بن هانىء الحكمي العراقي ، وهذا محمد بن هانىء الأزدي الأندلسي ، فقد اتفقا في اسم الأبوين ، وهو هانىء ، وقد يتوهم من لا يدري التاريخ والنسب أنهما أخوان ، كما ذكر ذلك في بعض الناس فيما مضى متوهماً لاتفاق اسم الأبوين ، أو مقلداً متوهماً ، ولو اطلع على التاريخ لعلم بطلان ذلك ، فإن هذا المغربي توفي في سنة اثنتين وستين وثلاث مائة ، وذلك المشرقي توفي في سنة ست وتسعين ومائة ، فبينهما مائة وست وستون سنة ، والأخوان لا يتباعد ما بينهما هذا التباعد في مثل زمانهما ، هذا من حيث التاريخ .